عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
303
اللباب في علوم الكتاب
وقال الحسن ، وقتادة ، والسّدّي : معناه : الشّق ، أي : يشق الحبّة من السّنبلة ، والنّواة عن النّخلة ، فيخرجها منها « 1 » . وقال الزّجّاج : يشقّ الحبة اليابسة ، والنّواة اليابسة ، فيخرج منها ورقا أخضر . وقال مجاهد « 2 » : يعني الشّقّين اللذين فيهما ؛ أي : يشقّ الحبّ عن النّبات ، ويخرجه منه ، ويشقّ النّوى عن النّخل ، ويخرجها منها ، و « الحب » جمع « حبّة » ، وهو اسم لجميع البذور والحبوب من البرّ ، والشّعير ، والذّرة ، وكل ما لم يؤكل حبّا ، كالتّمر ، والمشمش ، والخوخ ، ونحوها . وقال ابن الخطيب « 3 » : إن الشيء قبل دخوله في الوجود ، كان معدوما محضا ، ونفيا صرفا ؛ فإذا أخرجه الموجد من العدم إلى الوجود ، فكأنّه بحسب التّخيّل والتّوهم ، شقّ ذلك العدم ، وفلقه ، وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشّقّ ، فبهذا التّأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد ، والمحدث المبدع . فإذا عرفت ذلك ؛ فنقول : إذا وقعت الحبّة ، أو النّواة في الأرض الرّطبة ، ثم مرّ عليه مدّة ، أظهر اللّه في تلك الحبّة والنّواة [ من أعلاها ومن أسفلها شقا آخر ] أما الشّقّ الذي يظهر في أعلى الحبّة والنّواة ؛ فإنه يخرج منه الشّجرة الصّاعدة إلى الهواء . وأما الشقّ الذي أسفل تلك الحبّة والنّواة ؛ فيكون سببا لاتّصال الشّجرة الصّاعدة في الهواء بالشّجرة الهابطة في الأرض . ثم هاهنا عجائب : أحدها : أن طبيعة تلك الشّجرة إن كانت تقتضي الهويّ في عمق الأرض ؛ فكيف تولّدت منه الشّجرة الصّاعدة في الهواء ، وإن كانت تقتضي الصّعود في الهواء ؛ فكيف تولدت منها الشّجرة الهابطة في الأرض ، فلما تولّدت منها هاتان الشّجرتان ، مع أن الحسّ والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشّجرتين مضادّ لطبيعة الشّجرة الأخرى ؛ علمنا أنّ ذلك ليس بمقتضى الطّبع والخاصيّة ، بل بمقتضى الإبداع ، والإيجاد ، والتّكوين ، والاختراع . وثانيها : أن باطن الأرض صلب كثيف لا تنفذ المسلّة القويّة فيه ، ولا يغوص السّكّين الحادّة القوي فيه ، مع أنّا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الرّقّة واللّطافة ، بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوّة ؛ لصار كالماء ، ثم إنها مع غاية لطافتها تقوى على النّفوذ في تلك الأرض الصّلبة ، والغوص في باطن تلك الأجرام الكثيفة ، فحصول هذه القوّة الشّديدة لهذه الأجرام التي في غاية اللّطافة ، لا بدّ وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 5 / 275 - 276 ) عن السدي وأبي مالك وذكره السيوطي ( 3 / 61 ) عن أبي مالك وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 5 / 275 ) عن مجاهد . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 74 .